رئيس التحرير: محمد السعدني

السُلطة

6 أكتوبر وجولدا مائير

منذ 2 شهر

التاريخ يكتبه المنتصرون.. عبارة نرددها كثيرة وهي تعكس الحقائق في بعض الأحيان، ولكن ما رأيكم أعزائي القراء الكرام، في تاريخ سطره بأيديهم المهزومون في حرب أكتوبر المجيدة، وخاصة رئيسة وزراء إسرائيل في ذلك الوقت العصيب «جولدا موشي اسحق مابوفتش» أو جولدا مائير بعد أن غيرت اسمها الروسي عملا بنصيحة الأب الروحي لإسرائيل «بن جوريون».

التاريخ عندما يكتبه المنتصرون تشوبه بعض الشوائب، ويكون عرضة للانتقادات من كل حدب وصوب وخاصة من المنغمسين حتى رؤوسهم في بحور وأنهار نظريات المؤامرة اللعينة، أما المهزوم فيسرد التاريخ وفق أحداثه ومجرياته دون تغيير وإن حاول إضفاء مشاعر القوة على بعض كلماته فإنه في النهاية مهزوم.

والمصريون عن بكرة أبيهم يذكرون ويروون الحكايات والحواديت عن نصر 6 أكتوبر المجيد، منذ 45 عامًا وهم يعيشون فرحة ذلك النصر الذي أعاد لمصر وللأمة العربية شرفها ورد المغتصب إلى حيث بدأ.

وكل عام يمر نحتفل فيه بذكرى نصر أكتوبر.. نتهلل ونروي بطولات أبنائنا وقادتنا من الجيش المصري الذين نجحوا في عبور قناة السويس واجتياح خط بارليف المنيع!، وإقامة معسكرات لها في الضفة الشرقية من القناة، بعد أن أفقدت العدو إسرائيل توازنه في 6 ساعات، وفق ما قال الرئيس الراحل محمد أنور السادات في خطابه الشهير بمجلس النواب بعد انتصار أكتوبر، نعم هزمونا في 1967 في 6 أيام أو حرب الـ 6 ايام كما يطلقون عليها في تل أبيب، لكن المصريون طرحوهم أرضا في 6 ساعات فقط.. ويمضي الرئيس السادات قائلا: استعادت الأمة الجريحة شرفها.

كلنا كمصريين نحفظ عن ظهر قلب ما قاله الرئيس السادات، لكنني قررت أن أروي لكم شيئًا مختلفًا هذه المرة، شيء لم نكتبه نحن المنتصرون في حرب الـ 6 ساعات، بل ترويه جولدا مائير في مذكراتها المسماة «حياتي»، والتي تروي فيه قصة حياتها منذ أن ولدت في أوكرانيا التابعة في ذلك الوقت إلى روسيا وهجرتها إلى الولايات المتحدة وقدومها الأسود إلى القدس بين عامي 1920 و1921.

ولا أعتزم الغوص في قصة حياتها معكم فقد تعنيني ولا تعنيكم قرائي الأفاضل، فأنا دائما أعتقد أنه لابد على الإنسان أن يعرف كيف يفكر الآخر، سواء كان الآخر عدوًا أو صديقا.. فقد وضعت جولدا مذكراتها أو اعترافاتها في 15 فصلا، الرابع عشر منها كان بعنوان «الهزيمة»، أي هزيمة السادس من أكتوبر، والفصل الخامس عشر والأخير بعنوان «نهاية الطريق».

ومن مقولاتها عن حرب 73 كما ورد في مذكراتها: «ليس هناك اشق على نفسي من الكتابة عن حرب اكتوبر 73 أو يوم كيبور».

وقالت أيضا: «لن أكتب عن الحرب من الناحية العسكرية فهذا أمر أتركه للآخرين، ولكنني سأكتب عنها ككارثة ساحقة وكابوس عشته بنفسي وسيظل باقيا معي على الدوام».

و قد كانت مائير خارج اسرائيل قبل الحرب و عادت يوم الثلاثاء 4 اكتوبر.

بعد عودتها اجتمعت بقادة إسرائيل وقالت في اعترافاتها «لم يجد أحد من المجتمعين ضرورة لاستدعاء الاحتياطي ولم يفكر أحد في أن الحرب وشيكة الوقوع».

في الرابعة صباحا من السبت 6 أكتوبر، تلقت مائير معلومة بأن مصر وسوريا سيشنان هجوما مشتركا في وقت متأخر من ظهر اليوم نفسه، واجتمعت مع زعيم المعارضة آنذاك مناحم بيجن والسفير الأمريكي.

وكانت التعبئة، وقالت: «كان هذا اليوم هو اليوم الوحيد الذي خذلتنا فيه قدرتنا الأسطورية على التعبئة بسرعة».

وقبل أن ينتهي اجتماع الحكومة الإسرائيلية ظهر يوم 6 أكتوبر، اندفع سكرتير مائير العسكري ليبلغها أن الهجوم قد بدأ.. وتقول مائير: «وفي نفس اللحظة سمعنا صفارات الإنذار في تل أبيب وبدأت الحرب».. وتمضي في اعترافاتها: «ليت الأمر اقتصر على أننا لم نتلق إنذارا في الوقت المناسب بل كنا نحارب على جبهتين في وقت واحد ونقاتل أعداءً كانوا يعدون أنفسهم للهجوم علينا من سنين.. كان التفوق علينا ساحقا من الناحية العددية سواء الأسلحة والدبابات أو الطائرات أو الرجال.. كنا نقاسي من انهيار نفسي عميق و لم تكن الصدمة في الطريقة التي بدأت بها الحرب، وكنا نؤمن بأن في استطاعتنا منع المصريين من عبور قناة السويس».

وقالت: «في عصر 7 أكتوبر عاد وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان ليبلغني أن الموقف في سيناء وصل إلى درجة من السوء تحتم علينا انسحاب جذري.

تروي مائير كيف أن موشي ديان عرض عليها الاستقالة 3 مرات:

الأولى في اليوم الثاني للحرب جاءها وأغلق باب مكتبها ووقف أمامها يسال: «هل تريدين أن أقدم استقالتي؟».

المرة الثانية، قبل وقف إطلاق النار الثاني عندما استقال وزير الدولة الإسرائيلي احتجاجا على عدم استقالة ديان فذهب اليها ديان ليقول: «إذا كنت تريدين مني أن أستقيل فأنا على استعداد».

المرة الثالثة، بعد صدور تقرير لجنة اجرانات الذي تضمن تحقيقاتها حول حرب أكتوبر وبالتحديد في 4 أبريل عام 74 وأبلغها باستعداده للاستقالة.

وفي10 أكتوبر هرعت إلى أمريكا من أجل الجسر الجوي، كما تروي مائير.

وتروي مائير في مذكراتها عن الطفولة البائسة في أوكرانيا ثم انتقالها إلى مدينة ميلوكي الأمريكية معقل اليهود وتعرفها على زوجها موريس واستكمال تعليمها في أمريكا ثم قرار الرحيل إلى فلسطين على باخرة يوم 23 مايو 1921.

وكأنها كانت نحسًا على الباخرة حسب روايتها، تقول: «قام البحارة بإضراب واستغرقوا 9 أيام من نيويورك إلى بوسطن، وتم إلقاء القبض على 4 بحارة بسبب الإضراب وعزمهم إغراق السفينة، ولما أقلعت السفينة وبعد شهر انفجرت الثلاجة ومات أحد الركاب فألقوا بجثته من الباخرة، وأصيب شقيق القبطان بتصلب في جسده وهذيان فحبسوه في غرفته، وقبل ان يصلوا نابولي أطلق القبطان الرصاص على نفسه، وقال البعض إنه قُتل- حسب روايتها.

ووصلت ما أسمته وقتها بـ تل أبيب في شهر يوليو عن طريق ميناء الإسكندرية ثم قطار القنطرة إلى القدس.

وتقول مائير في مذكراتها عن حرب الـ 6 ساعات:

سوف أحيا بهذا الحلم المفزع بقية حياتي ولن أعود مرة أخرى نفس الشخص الذي كنته قببل حرب يوم كيبور.

وتقول: دعوت الحكومة إلى اجتماع يوم 7 أكتوبر وحصلت على موافقة بهجوم مضاد على المصريين ولكن المصريين كانو قد عبروا القناة، وكانت قواتنا في سيناء قد تحطمت، وفي اليوم التاسع للحرب يوم 14 أكتوبر، وصل الجسر الجوي الأمريكي بطائرات الجلاكسي، كان قدرتنا على الحرب كانت قد انعدمت لنصل إلى مفاوضات الكيلو 101، وبعد تحركات حثيثة من وزير الخارجية الأمريكي هنري كسنجر والروس، حيث وقعت مصر واسرائيل في 11 نوفمبر 1973، اتفاق الكيلو 101 على طريق القاهرة السويس، بحضور اللواء عبد الغني الجمسي والذي ينص على 6 نقاط.

وتقول مائير: عاد أسرانا وقد بكى بعضهم مثل الأطفال بعد أن تقابلنا.

هذا بكل تأكيد غيض من فيض.. حيث تستمر مائير في اعترافاتها بأن هزيمة 6 أكتوبر لم تهزم فيها مصر تل أبيب كجيش فقط، بل هزمت حكومتها وتعالت أصوات الشعب الإسرائيلي من أجل محاسبة الحكومة التي ترأسها مائير وضرورة تقديم استقالتها.

في النهاية لا يسعني وكل مصري شريف إلا أن اتقدم بالشكر و العرفان للجيش المصري الأبي الذي بذل الغالي والنفيس من دمائه الذكية لنعيش نحن أحفاد من حاربوا لطرد المحتل الغاشم، نشوة هذا الانتصار، ونرى ونقرأ مذكرات واعترافات قادة إسرائيل وأسطورتهم التي لم يكتب لها العيش طويلا، عن الجيش الذي لا يهزم.