رئيس التحرير: محمد السعدني

السُلطة

صالة وبلكون

حتى لا يطير الدخان: نهاية غير مألوفة في أفلام الزعيم

منذ 2 شهر

قدم عادل إمام عام 1984 حوالي 7 أفلام، منهم الحريف والهلفوت ومين فينا الحرامي، لكن اعتقد إن الفيلم الأهم في هذا العام هو فيلم " حتى لا يطير الدخان"، لعدة أسباب، أولها أن الفيلم مأخوذ عن رواية للكاتب " إحسان عبد القدوس " وعادة الأفلام المأخوذة عن روايات تكون مشوقة للجمهور بشكل كبير لرؤية أبطالهم الذين تخيلوهم على الشاشة الفضية ،  ثانيا الفيلم خلق تحدي قوي لعادل إمام لإثبات نفسه كممثل درامي بعد نجاحه الساحق كممثل كوميدي في عدد من الأعمال منهم " الهلفوت – خلي بالك من الخط – ولا من شاف ولا من دري – المتسول "، كلها أفلام جعلت البعض يردد وقتها أن عادل إمام لا يجيد سوى الكوميدية وبالتالي " حتى لا يطير الدخان " كان تحديا كبيرا له، ثالث تلك  الأسباب هي نهاية الفيلم، في نهاية الفيلم يموت " فهمي عبد الهادي " والذي يجسد شخصيته عادل إمام، وهي المرة الوحيدة الذي وافق فيها الزعيم في أن ينهي فيلما له بموته.

قصة الفيلم من رواية للكاتب الكبير إحسان عبد القدوس، أما السيناريو للكاتب مصطفى محرم، ولا يجوز المقارنة بين الرواية والسيناريو لأن لكل منهما أسلوب معين في الكتابة وطريقة سرد وحكي مختلفة، ومن باب الأحداث لمن لم يقرأ الرواية فالاختلاف الوحيد في شخصية البطل " فهمي عبد الهادي " هو أنه في الرواية أصبح تاجر حشيش وقوادا يجلب النساء لزملائه، أما كاتب السيناريو فاكتفي بالخط الأساسي في التحول الدرامي وهو دخوله عالم التجارة في المخدرات بدافع الرغبة في الغناء الفاحش والانتقام، وجعل سكوته عن اعتداء أحد زملائه على الفتاة التي تحبه مبررا من وجهة نظره عندما قال لها " لازم نبقى قد الناس اللي مرمغونا في التراب، عشان احنا كمان نمرمغهم في التراب" .

سيناريو الفيلم مقسم لثلاثة أجزاء، بداية الفيلم وعلاقة فهمي عبد الهادي بزملاء الجامعة الأغنياء حتى موت أمه، ثم مرحلة الانتقام والرغبة في الأخذ بثأر أمه التي ماتت بعد أن فشل في الحصول على ثمن علاجها واعتبر زملائه الأغنياء الذي يصرفون ببذخ هم السبب، ثم مرحلة تبدأ من اكتشافه إنه مريض ويخطو خطوات ثابته نحو الموت.

الحبكة الأساسية في الفيلم هي الصراع الطبقي الذي يخلق نوعا من الحقدوالانتقام عند بطل الفيلم،الحقد كان المحرك والدافع للأحداث في بداية الفيلم ثم بدأ الانتقام يسيطر على شخصية البطل و يكون محركا أساسيا للأحداث، يبدأ الكاتب بمشاهد توضح للجمهور حياة فهمي عبد الهادي، الشاب الفقير الذي يريد أن يأخذ صورة تذكارية مع اللحوم المعلقة أمام محل الجزارة، الطالب المتفوق على زملائه الأغنياء الذين لا يهتمون ويعتمدون على أموال ذويهم، يحاول الكاتب طوال الفيلم أن يخلق مقارنات غير مباشرة في عقل الجمهور بين شخصيات الفيلم، الطالب الفقير المجتهد والطالب الغني الذي يرسب كل عام، فتاة السطح التي تحافظ على نفسها حتى على حساب عملها وتحب فهمي عبد الهادي وبين الفتاة التي تملك المال و تتاجر بجسدها للحصول على مكاسب مادية، بين حديث رجال الدولة أثناء تناولهم الحشيش وحديث فهمي عبد الهادي الطالب بكلية الحقوق حول الحراسات التي فرضتها الثورة يوليو.

معظم أبطال العمل لهم خط درامي واضح طوال الفيلم، ماعدا البطل، قدمه الكاتب شخصية متناقضة إلى حد كبير، يتعاطف معها الجمهور تارة، ويكرهه تارة أخرى، يتعاطف معه وهو يبحث عن ثمن العلاج لوالدته ومصاريف الدراسة ورفضه الحصول على مال من السيدة التي تحبه، ويكرهه عندما يجده يستفيد من زملائه الأغنياء مقابل خدمته لهم في جلساتهم الخاصة، فقير لكنه يرفض حب سيدة له لأنها أيضا فقيرة، ويفكر في فتاة تعامله أسوء معاملة في البداية، متناقص في حضوره جلسات أصدقائه التي يتعاطون فيها المخدرات ومع ذلك يرفض تماما تعاطيها ويقوله جملته " ربنا خلقني كدة .. من غير مزاج "، كل هذا التناقض كان تمهيدا قويا للتحول الذي حدث للبطل بعد موت أمه وقراره بالانتقام.

نهاية الفيلم تختلف عن الرواية، البطل في نهاية الفيلم فمات متأثرا بمرضه، وهي نهاية رفضها عادل إمام في كل أعماله وأقنعه بها المخرج " أحمد يحى "، أحمد يحى قدم مع عادل إمام فيليمن " كراكون في الشارع – حتى لا يطير الدخان "

يقول المخرج أحمد يحى عن كواليس الفيلم إن عادل إمام كان خائفاً من موضوع الفيلم والشخصية كونها تحمل نزعة انتقامية بالإضافة إلى أنه يموت في النهاية، وان يخشى إنصراف الجمهور عن العمل بسبب هذه النهاية ، وفي ليلة عرض الفيلم أخبرته أن كل الحفلات كاملة العدد ومحجوزة لمدة ثلاثة أيام مقدمة فلم يصدق نفسه.

وهنا يحسب للمخرج جرأته وقدرته في السيطرة وإقناع ممثل يخشى على إيرادات أفلامه بحجم عادل إمام.

قدم المخرج الفيلم كأنه شريط حياة للبطل، شريط حياة متكرر سيحدث معه ومع غير بشكل مستمر استمرار الحياة، كما اعتمد المخرج في ضبط إيقاع الفيلم على الموسيقى التصويرية بشكل كبير، الموسيقى التي تشعر وأنها نابعة من شعور البطل، فتسمعها بعد رفض الفتاة التي أحبها له كأنها صفعة على وجهة، وتسمعها وهو ينتقم منها في آخر الفيلم كأنها تزيده غرورا وتشفي

فيلم حتى لا يطير الدخان ىاحد من أهم خمسة أفلام في تاريخ عادل إمام، بعد فيلم الغول  قدم إمام عدد من الافلام الكوميدية البسيطة حتى قدم شخصية فهمي عبد الهادي المليئة بالتقلبات النفسية، استطاع ان يقدم شخصية الطالب الحاقد على زملائه ويعتبر نفسه احق بما لديهم، الشخص الذي يهيم حبا بفتاة لا تشعر به ومراحل عذابه في حبها وانتقامه منها، الشخص فاحش الغناء الذي يعاني من مرض يمنعه من الاستمتاع بحياته، مفتاح الشخصية الرئيسي كان الحرمان، الحرمان من أكل اللحوم بسبب الفقر، وبعد الثراء حٌرم منها بسبب المرض، الحرمان من فتاة أحبها بسبب فقره، وحرمان نفسه منها بعد الثراء انتقاما لكرامته، كما أن الأداء الجسدي لعادل إمام كان في أكمل حالاته، من أهم مشاهد الفيلم مثلا مشهد وفاة أمه ، رغم عدم بكاءه إلا أنه استطاع بنظرات عينه أن يعطي للجمهور مؤشرا عن بداية تغير الشخصية ونيته الانتقامية وتحول الأحداث، بجانب أن الفيلم يخلو تماما من إفيهات عادل إمام المعروفة، شخصية مركبة قدمها الزعيم بشكل درامي مميز.

قدمت أيضا سهير رمزي تقريبا أفضل أدوارها في السينما، قدمت دورا مختلفا عن أدوار السيدة الجميلة خفيفة الظل، دورها في حتى لا يطير الدخان كان يحتاج مجهودا في التمثيل، وهو ما قدمته سهير في التعبير عن الحالة النفسية للشخصية بشكل رائع.

باقي شخصيات الفيلم رغم مساحتها إلا إنها لم تملك خطوط درامية مستقلة عن الشخصيتين الرئيستين، بل كان كل تصرفاتهم والاحداث الخاصة بهم نقلات في حياة البطل الذي كان طول الجزء الاول من الفيلم رد فعل لتصرفاتهم، ثم انتقل في الجزء الثاني للانتقام منهم.