رئيس التحرير: محمد السعدني

السُلطة

الهروب.. محاولة أحمد زكي وعاطف الطيب صنع ملحمة شعبية

منذ 1 اسبوع

الأفلام تأخذ من أرواح صناعها، ما يطلقون عليه "البصمة"، أعتقد أن العمل الفني لا يأخذ فقط بصمة صاحبه، يأخذ أيضا جزءا من روحه، وهو ما فعله صناع فيلم" الهروب " أعطوه نفحة روحية جعلته حيا بيننا حتى الآن، 27 عاما مروا على هذا الفيلم لكنه مازال عندما يعرض يحظى باهتمام كأنه العرض الأول.

كاتب القصة والسيناريو هو الكاتب الكبير "مصطفى محرم" والذي اعتقد اأنه هذا الفيلم هو أفضل ما قدمه طوال تاريخه، تدور أحداث الفيلم حول شاب صعيدي يدعى " منتصر/ أحمد زكي " يعمل مع صديقه في أحد المكاتب المشبوهه لسفر العمالة المصرية الى الدول العربية بتزوير أوراق سفرهم حتى يستطيع الزواج من إبنه عمه، بالوقت تمر الأحداث ويتورط منتصر في عدد من جرائم القتل التي تحوله في نظر الحكومة والرأي العام لسفاح.

اعتمد الكاتب في السيناريو على عرض نمطين من البشر، الأول منتصر الذي أجبرته ظروفه على إرتكاب أكثر من جريمة، محاولاً الهروب من ظروفه الصعبة كما إن هذا النوع من البشر يعطي مبراا لكل خطأ يقوم به ، والثاني هو ضابط المباحث " سالم / عبدالعزيز مخيون " ، وهو النقيض لشخصية منتصر، مع إنه صديق طفولته وشبابه، تختلف الشخصيات لكنهما يتلاقوا في نهاية الخيط، منتصر الذي فقد الأمل في العودة عن الطريق الذي بدأه، وسالم الذي وجد نفسه أيضا طرفاً في لعبة قذرة فوق لا يعلم عنها شيئا، رغم اختلاف طباع الشخصيات إلا أنهم لم يكونا على دراية بطريقة اللعب مع الكبار من الجانبين، لذلك كان مصيرهما واحد في النهاية، الموت.

بدء التحول في الفيلم عن طريق الصفة التي حاول الكاتب أن يقدم منها الشخصية وهي " عدم السكوت عن الحق"، فرغم علمه بتزوير مديره لأوراق السفر وإعطائه مبررا لنفسه بإنه يريد الحصول على أموال للزواج من ابنه عمه إلا أنه رفض وبشد أن يكون بعضا من أهل بلدته ضحية لعملية نصب حتى لو استفاد منها، اعتبر ذلك عارا عليه وهدد مديره بالعدول عن تفكيره في النصب على هؤلاء المساكين الذي باعوا ما لديهم للفوز بفرصة سفر، بعدها دبر له مديرة مكيدة واستطاع ان يتخلص منه، ليعود بعدها منتصر ويأخذ حقه بناء على الصفة التي أعطاها الكاتب للشخصية من البداية "عدم السكوت عن حقه".

فكرة ارتكاب بطل الحكاية لأكثر من جريمة وتحوله لمجرم تم تقديمها في أكثر من عمل ورواية قبل فيلم الهروب، لكن الفيلم لم يتطرق فقط لقضايا القتل، بل كانت جزء من حركة وتطور الأحداث، تطرق الفيلم إلى عدة قضايا مهمة، مثلاً تحدث عما يجري داخل جهاز الأمن و الإنقسام في  وجهات النظر بين تياراتها المختلفة، والتي عبر عنها الضابطان (سالم والعقيد فؤاد الشرنوبي/محمد وفيق، الظابط سالم الذي يعيش صراعا بين واجبه ووظيفته كضابط وبين إحساسه تجاه صديق عمره منتصر، والنوع الثاني الذي يمثله الضابط فؤاد، النموذج المستغل الانتهازي المستعد لتقديم أي شيء للوصول لهدفه، بالإضافة لعرض طرق تعامل جهاز الإعلام مع تلك القضايا وتضخيمها وإثارة الرأي العام، وبالتالي لم يقدم فيلم الهروب بعض قضايا القتل وفرار أحد المجرمين فحسب، لكنه قدم مجتمعا متكاملا.

أيضا نجح الكاتب بجدارة في رسم علاقات انسانية مميزة، سواء بين منتصر وأمه/أمينة رزق أو منتصر والراقصة التي أحببته/ هالة صدقي، قدم حوارا رائقا على لسان أبطاله عبر عن شخصيتهم بشكل واضح.

قدم الكاتب علاقة منتصر بأمه، كأنها درع واقي من الرصاص يحميه، أرض يعود لها مهما غاب، تحملت السجن بدلا منه، واكتفت بجملة " كنت تغيب مهما تغيب واحلف بكل يمين لما ترجع هعمل فيك واسوي، وتو ما تهل عليا كل حاجة تروح لحالها وقلبي يصفالك زي ندى الفجر "

 أما علاقته بالراقصة فكانت تشبه الملجأ الوحيد الذي يلجأ إليه منتصر بعد كما أن تلك العلاقة تؤكد على أن المشاعر الإنسانية قادرة على التواصل حتى بدون كلام، لأن الإثنان لم يتعرفا على إسميهما إلا في لقائهما الأخير.

الشكل العام للفيلم لا يخص الكاتب بمفرده لكنه في الأساس يخص المخرج والكاتب معا، بداية الفيلم بذلك النواح الصعيدي يعطي إحساسا للمشاهدين وينبأهم بقدوم الفاجعة، طريقة عرض أسماء الأبطال والنواح يخبرنا برغبة صناعه في تقديم الفيلم على أنه ملحمة شعبية.

كل عوامل الملحمة توفرت في فيلم الهروب، البداية والوسط والنهاية، بطل قوي ومتهور أحيانا تدور حوله الملحمة، بعض الانتصارات التي يحققها البطل تجعل الجمهور يحبه ويتوحد معه في معاركه وضد خصومه، فجأة تجد نفسك مشاهد متورط في حكايات منتصر وتفكر في طريقة هروبه من الأمن وطريقة ثأره لنفسه، حتى النهاية المأساوية التي انتهى بها الفيلم من شروط الملاحم الشعبية، الرمزية التي تطغى على الشخصية مثل حبه للصقر، ورأينا ذلك في ملاحم أخرى كثيرة منها ملحمة أبو زيد الهلالي وحبه للغراب الأسود، اعتقد ان الفيلم تفوق في تقديم مجتمع مشابه لمجتمع المشاهدين أكثر من بعض السير والملاحم الشعبية الأخرى.

المخرج عاطف الطيب قدم واحدا من أهم أعماله، من حيث تكوين الصورة وإيقاع الفيلم الذي ينذرك طوال الوقت بوقوع المأساه، ومن أفضل مشاهد الفيلم إخراجيا مشهد الفرح حين صعد منتصر لخشبة المسرح ورقص بالعصا لتختفي نظرة المرح من وجوه بلدياته المعازيم ويقفون الواحد تلو الآخر ليظهروا دهشة صامتة تؤكد علمهم بانجاز منتصر لمهمة ما بدليل رقصه بالعصا الآن، وهو بالفعل ما حدث قبلها بقليل وانتقامه من مديره الذي تسبب في سجنه، وثاني تلك المشاهد في القطار عندما كان يتحدث مع الضابط سالم ووقف ركاب القطار ليستمعوا له، منتصر كان هو المحور بينما الباقي هم الدائرة، وثالث مشهد هو جنازة الأم، مشاهد كلها تدلل على وعي عاطف الطيب بالصورة وتأثيره على الحكاية التي تقدم.

الحديث عن أداء أحمد زكي أصبح متكررا لكنه ضروريا، زكي قدم أكثر من مرة دور الصعيدي سواء في الهروب أو شادر السمك أو البيه البواب، ومع ذلك لا تجد أبدا أي تشابه بين هذه الأدوار، كلاهم يملكون تفاصيل مختلفة، قدم الشخصية المركبة الصعبة في الهروب وفي البريء وفي زوجة رجل مهم، ولن تجد أي رد فعل متشابه لتلك الشخصيات، كل شخصية تفرد بها زكي وقدمها في عالمها الخاص، فهو بكل جدارة صاحب أفضل أداء تشخيصي في جيله وفي عدد كبير من الأجيال التي أتت بعده.

ثاني أفضل ممثل في الفيلم من رأي هي زوزو نبيل ، دور الأم، رغم مشاهدها البسيطة لكنها تفوقت وقدمت دور الأم كمنوذج حي حتى الآن ومرجع لكل الممثلات الذين يقدمن أدوار الأم، كذلك هالة صدقي، قدمت أفضل أدوارها في السينما رغم صغر مساحته وقلة عدد المشاهد.

كل عناصر هذا الفيلم باختلاف قدراتها قدمت أفضل ما لديها، ليظهر لنا ملحمة فنية قليلة الوجود وهي فيلم الهروب.