رئيس التحرير: محمد السعدني

السُلطة

ورد مسموم.. فيلم واقعي يفتقد الحبكة

منذ 2 اسبوع

مدرسة السينما الواقعية ظهرت في مصر على يد المخرج عز الدين ذو الفقار، أستاذ لجيل كبير من المخرجين أبرزهم يوسف شاهين، وصلاح أبو سيف، وغيرهم، لكنني اعتبر أن التطور الحقيقي لهذا النوع من الأفلام كان على يد صلاح أبو سيف، الذي استطاع الجمع بين مفردات الصورة الواقعية والدراما، تقديم الحقائق المغلفة بشغف استكمال "الحدوتة".

بعد قرار مشاهدة فيلم ومنذ الوهلة الأولى لبداية الفيلم "ورد مسموم" للمخرج أحمد فوزي صالح، وجد نفسي أمام عمل ينتمى لسينما الواقع، وتطبيقا لقاعدة أن الصورة تحتل الأولوية دائما، قدم المخرج تفاصيل للصورة بشكل جديد وغني لأماكن لم تظهر كثيرا في الأعمال السينمائية، فمن خلال بطلة الفيلم/تحية التي تعمل في مراحيض وتسكن في منطقة " عين الصيرة" وشقيقها /صقر الذي يعمل " المدابغ" استعرض المخرج جزءا من القاهرة غير المنتشر، لا هي عشوائية خالد يوسف المصطنعة ولا رفاهية القصور والأماكن الفارهة الموجودة في بعض الأفلام،تفاصيل مختلفة وحقيقية وهو أكثر ما يميز الفيلم.

من أفضل مشاهد الفيلم، كانت مشاهد صقر داخل المدبغة، المهارة التي قدم بها الممثل إبراهيم النجاري تلك المشاهد تدل على المجهود المبذول في التجهيز لدوره ولمسات المخرج في هذه التجهيزات، تفاصيل شقة تحية/مريهان مجدي، شقة صغيرة بها الحمام شغل جزءا من المطبخ مغطاه بستارة متهالكة، تفاصيل تناولهم الطعام على الطابلية فوق السطح وتفاصيل المنطقة والحارات ونصبة الشاي وعمال المدبغة وطريقة حديثهم، حتى اختيار الأغاني الشعبية داخل المشاهد كان مميزا، فمثلا لم يذهب المخرج لمطرب شعبي معروف ليدلل على ذوق أبطاله، لكنه ذهب لأغاني متداولة فعلا في هذه المناطق مثل المطربة الشعبية " شفيق " وبعض التواشيح التراثية غير المعروفة، كلها تفاصيل يستحق الفيلم عليها جائزة وهو ما حدث في مهرجان القاهرة السينمائي.

ومن مميزات الفيلم أيضا هو الحوار، فن الحوار سلاح ذو حدين يتوقف على طريق استخدامه داخل الفيلم، إما ظهر فيه استرسال زائد وهو دليل على ضعف الكاتب، أو كان قليلا لا يفي بغرض إيضاح الأحداث، وما حدث في ورد مسموم كان استخدام الحوار بشكل قليل في مقابل الاعتماد على لغات السينما المختلفة من أصوات حية للمشاهد، مثلا أصوات الآلات وعربات الكارو طوال مشاهد المدابغ وأصوات الباعة والأغاني الشعبية في مشاهد المنزل، بالإضافة للاستخدام الجيد للمؤثرات الصوتية وفن الازدواج، ولمن لا يعرفه، عرف المخرج صلاح أبو سيف فن الازدواج بإنه استعمال وسائل مختلفة للتعبير عن نفس الشيء، نجد تحية داخل الأحداث تذهب يوميا بالطعام لشقيقها في العمل، تهتم بمظهره وتشتري له حذاء جديد، ترفض سفره وتستعين بدجال لعرقلته عن نواياه، كلها أساليب مختلفة تعبر عن حب واهتمام تحية بشقيقها صقر واعتباره سندها وأملها الوحيد في الحياة.

بحثت عن الحبكة داخل الفيلم لكنها وأن كانت موجودة فهي ضعيفة جدا، الحبكة هي المجرى العام الذي تجري فيه القصة بأحداث متتالية ومتزامنة من خلال العقدة التي تفرضها الأحداث والصراعات داخل العمل، أو بمعنى أكثر سهولة " مين عاوز يعمل إيه ومش عارف وازي هيتغلب على كل الأشياء اللي بتمنعه".

خلال مشاهدتك لورد مسموم، تجد إيقاع هاديء إن لم يكن بطيء، حياة فتاة تراقب تصرفات شقيقها في صمت دون أي تطور يذكر في الأحداث، قفزات غير مبررة في الحدوتة وتصرفات الأبطال، تغلب البطلة على العقبة التي تواجهها بسهولة ( نجاحها في فشل سفر أخيها) دون أي معاناة، وفجأة ينتهي الفيلم، هنا يمكننا القول أن المخرج تناسى الحبكة والصراع في مقابل الصورة الجيدة، وفي النهاية ما يميز الفيلم الوثائقي عن الفيلم الواقعي هي الحبكة والحدوتة.

فيلم ورد مسموم محاولة جيدة لصناعه تحسب لهم بالتأكيد، لكن الفيلم يمكن تعريفه بمصطلح " فيلم مهراجانات " وهو الفيلم الذي ينال إعجاب المتخصصون ولا يميل له الجمهور.