رئيس التحرير: محمد السعدني

السُلطة

السيسي.. رئيس يصنع المستحيل

منذ 1 شهر

قبل أن أبدأ.. بما أننا شعب مصري مُثقف كامل الوعي والإرادة والتنوير، نفهم في كل شيء، نُحب الحق ونبغض الباطل، نسعى للخير ونتجنب الشر، شعب جبار، حفدة الفراعنة، صاحب حضارة الـ 7000 آلاف عام، مجددو الإسلام، وأشد المدافعين عنه، نبدأ مقالنا بتعريف دراسات الجدوى للبعض، فهي دراسة للتمكن من تطبيق أي مشروع ونجاحه، من حيث تحديد الاستثمارات المطلوبة، وطريقة تنفيذها، والمُدة المحددة، والعائد المتوقع، بخلاف المؤثرات الخارجية على سير خطوات المشروع، مثل قوانين الدولة، التطور التقني، التطور الفني، وبالطبع آخرها المنافسة.

وفي نظري مهما توالت الأُمم، ستبقى دراسة الجدوى الأهم عبر التاريخ كانت من نصيب سيدنا يوسف، عندما فسّر رؤية فرعون «يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46)».. وكان تفسير النبي الكريم أن سيمر على مصر سبع سنوات من الخير على مصر الكثير والوفير، ويليها سبع سنوات قحط وجفاف، وكان الوحيد القادر على خروج مصر من هذه الأزمة، الأمر الذي جعل يوسف يضع كهنة فرعون في مأزق أمام عرش الملك، ويفقد فيهم الثقة بعد الاعتماد على يوسف وتسليمه زمام أمور بلد لشخص ليس من عرقهم.

اقرأ أيضًا: السيسي مُجدد الشباب الإفريقي

ولكن هل نقف لحظة على أسباب نجاج هذه الدراسة بالتحديد.. البعض سيقول إنها إرادة الله، مُتفق معك أنها إرادة الله وأنها في لوحٍ محفوظٍ، ولكن لماذا لم يمنع الله أخوة يوسف من مكرهم بأخيهم، له إرادة أيضًا في ذلك، لماذا لم يحمِ يوسف من امرأة العزيز أو السجن أو الجلد، وغيره.. جميعها إرادته بمقادير.. ولكن السبب الحقيقي كان يكمن في أن هُناك عقلية تستحق الدراسة عندما يستطيع تخزين المواد الزراعية بعيد عن عطبها 7 سنوات، لتكون مصر- وقتها- قِبلة البلاد المجاورة في إمدادهم بالطعام.

هل نجح يوسف، عليه السلام، مُعتمدا على فطنة عقله فقط؟.. بالطبع لا.. كان للمؤثرات الخارجية دور كبير، المتمثلة في قوانين الدولة (عندما ولاه فرعون عزيز مصر)، التطور التقني (إعطاء فرعون كامل صلاحياته ليوسف في الأمر والنهي)، التطور الفني (تنفيذ المطلوب من أفراد المشروع)، والمنافسة كانت هُنا رُبما إرادة من الله أن يخص مصر بهذا الخير الوفير لمدة 7 سنوات، لترجيح كفة يوسف.. ولكن السبع سنوات الأولى، هي التي جعلت الدراسة تنجح، لأن الخير كان زائدًا عن المُعتاد، وكانت الدراسة تتلخص في كيفية توفير وتخزين المحصول الزائد للسنوات العجاف.

ونجاح أي دراسة جدوى، يتلخص في أرض مُناسبة خصبة، وأشخاص مُناسبة سواء رعاة أم رعية، وإذا توافر ذلك- وقلما يحدث ذلك- تنجح أي خطط موضوعة حتى لو لم ترق إلى المستوى الذي يسعى إليه الجميع.

ننتقل ألوف السنوات حتى العهد الفارق في تاريخ مصر، عهد محمد علي باشا، والذي ساعدته الظروف المحيطة من ضعف الخلافة العثمانية وقتها، وهزيمة الإنجليز بقيادة في الإسكندرية ورشيد، والتخلص من المماليك، وتفويض النخبة المصرية، في السيطرة على زمام الحكم، وبدأ نهضته الاقتصادية، ورغم أن الجميع يحكي ويتحاكى بهذه الفترة العظيمة رغم جميع ما مرت به مصر في هذه الفترة، لكن إن قرأت جيدًا التاريخ تجد أن مُحمد علي تخلص حتى من النخبة المصرية، علماء ومشايخ، آخرهم عمر مكرم، وبدأ تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والعسكرية والتعليمية، والتي عُرفت اصطلاحًا بالاحتكارية، حيث أن الحكومة كانت تفرض على المزارعين نوع الغلات التي تُزرع، والمنتجات التي تُصنع، وتحديد أسعارها من المنتجين وإلى المستهلك.

يرى البعض أن حقبة محمد علي كانت مليئة باحتكار الدولة لكل ما هو موجود على أرض مصر، ولكنه رغم ذلك نجح.. لماذا نجح يا عزيزي القارئ؟.. في اعتقادي المتواضع أن مُحمد علي كان يعلم جيدًا حجم المؤامرات- رغم قلتها المتمثلة في انجلترا والدولة العثمانية فقط- التي كانت تتجه أعينها نحو مصر في تربص وتجهيزات لإيقاع هذه الإمبراطورية التي هددت يومًا ما السُلطان العثماني في عقر داره.. المنافسة حتّمت على محمد علي أن يصنع مصرًا رغم أنف الجميع حتى وإن كان أحدهم من الداخل يرفض سياساته التي انتهجها لبناء مصر الحديثة.

ورغم منتقدي عصر محمد علي، وما يحمله من إيجابيات وسلبيات، إلا أن الشعب البسيط لا يتذكر إلا أنه صانع مصر الحديثة، وأدرجته كُتب التاريخ بالمنتصر في مصر وقلوب المصريين، ورغم انتقادات الملكية من بعده، بعد احتلال الإنجليز لمصر في عهد أحفاده، ولكن نستطيع الجزم بأن محمد علي نجح رغم عدم وجود دراسة جدوى.

ننتقل من الملكية إلى الجمهورية، لحظة تحول في تاريخ مصر الحديث، متمثلة في ثورة 23 يوليو، بما لها وما عليها.. إلا أن الزعيم جمال عبد الناصر، كان يُريد إعادة مصر لأمجادها اقتصاديًا، بداية من التوزيع العادل للأرض الزراعية، وتأميم القناة، وبناء السد العالي، وبناء المصانع، إلا أنه كان على علمٍ أيضًا بحجم المؤامرات الخارجية، والتي تمثلت في فرنسا انجلترا وإسرائيل، وخيبات البعض ممن كان لا يريد لمصر النهوض، إلا أنه نجح اقتصاديًا، رغم وجود جدوى دراسة جدوى، ولكن ساعده وقتها اقتصاد عصر الملكية الذي تركته أسرة محمد علي.

فترات مُختلفة، أشخاص مختلفة، وعقول أيضًا مختلفة، تنتقل من بين طياتها تجد أن دراسات الجدوى مُهمة فقط لمن تتوافر له البيئات المناسبة والأشخاص المناسبة والعقول المناسبة والشعوب أيضًا المناسبة، والأعداء المتربصة وحجم خطورتها المحتملة من وقتٍ لآخر تجاه مصر.

ننتقل إلى عام الكوميديا السوداء الذي مر على مصر، مثل فيلم رُعب سخيف لا يرقى أن يُطلق عليه اسم فيلم، عام الإخوان الأسود، عندما حاولت الجماعة الإرهابية وأنصارها الترويج إلى أنها تمتلك مشروعًا نهضويًا سيغير أحلام المصريين جميعًا، وللأسف نحن كشعب ينسى بسرعة، صدقنا الإخوان ومشروعهم، وكانت النتيجة أنه عندما وصلوا للحكم، وقفوا أمام الجميع وقالوا: «اضربوا راسكم في أتخن حيطة.. الكرسي ده حقنا من 80 سنة»، وظهر وقتها الوجه القبيح والحقيقي لهذه الجماعة، وفشلوا في كل شيء، وإن كان لهم حسنة وحيدة، هي أن الجميع وقف واتحد ضد المؤسسة الأكثر تنظيمًا وبأسًا وحسمًا وحزمًا، ومعرفة قيمتها بعد أن هتف البعض من الإخوان وأنصارهم في فترات: «يسقط حكم العسكر»، ولكن أثبتت هذه المؤسسة من كبيرها لصغيرها أنهم فداء الوطن وسلامته، وخرجت ثورة 30 يونيو في حماية المؤسسة المصرية العسكرية، وطالبت الجيش فيما بعد بعزل الإخوان وكبح إرهابهم وأسلحهتم التي لطالما نادوا بالسُلطة لتحرير فلسطين، وعندما تمكنوا منها، وجهوها في وجوه المصريين.. كنا في عداد الغرقى لولا هذه القشة التي تبطّرنا عليها بعد أن وصلنا للبر!

والآن يخرج علينا أنصار الجماعة الإرهابية من قنوات الأجندات الخارجية، يسخرون من تصريح الرئيس السيسي في منتدي أفريقيا 2018، بشأن مقولته «لو مشيت على دراسات الجدوى مكناش حققنا 25% مما تحقق»، يسخرون من رئيس جعل المستحيل ممكنًا، حرر مصر من احتلال إخواني مُغيب، جاء من أجل تنفيذ أجندات خارجية، يسخرون من رئيس أنهى أسطورة ما أسموه بجهاد الثمانين عامًا، جهاد مزيف.

الأزمة أننا بعد خروجنا لبر الأمان تبطّرنا، ولا ألوم أحدًا على تبطره!.. التاريخ وحكاويه يثبت لنا أن كثيرًا ما تبطر البشر، وفي أحيانٍ كثيرة تبطروا على الخالق.. إبليس تبطر ورفض السجود لآدم.. آدم تبطر وأكل من الشجرة المُحرمة، حواء تبطرت على حُب آدم لها، قابيل تبطر على إرادة الله وقتل هابيل، نتشاءم من رؤية الغراب رغم أنه من علمنا دفن الموتى، يونس تبطر ومكث في الحوت، وأقوام تبطروا على الأنبياء، بداية من نوحٍ نهاية بأشرف الخلق محمد (ص).. لا يمكنني أن ألوم أحدًا على التبطر، ولكن يستوجب أن نُحكم عقولنا بالتوازي مع قلوبنا، ومحاولة إخراج رؤوسنا من الرمال، ونوازن بين أبصارنا وبصائرنا، حتى نرى الصورة كاملة.. عزيزي القارئ، عُذرا على قساوة المحتوى، ولكن استمرار وضع رؤوسنا في الرمال، يجعلنا نتأزم من المارة حولنا تعاقب الليل والنهار!

الرئيس السيسي منذ اليوم الأول له كان واضحًا وضوح النهار على شعبه، قاسيًا قسوة الليل على أعداء الوطن، فتح قلبه أكثر من مرة في أكثر من مناسبة، وصارح المواطن العادي بكل ما تمر به الدولة المصرية من تحديات، سواء على المستوى الداخلي، من محاربة الإرهاب والاقتصاد المتهاوي والبيروقراطية المتأصلة، والفساد المتشعب وبقايات الجماعة الإرهابية.. أو خارجيًا، من أجندات تُريد بمصر شرًا وبعضها لا يريد وجودًا لها على الخريطة من الأساس.. واجه الرئيس ذلك وتحدى الجميع وتحدى كبريات الدول وحرر النفوس المتسلسلة التي لطالما أشاعت أن حُكم الإخوان لن يزول.

المعرفة مؤلمة.. بس بتريح، مبدأ رُبما يكون انتهجه الرئيس السيسي منذ فترة ولايته الأولى، لتقليل الفجوة بين النظام والشعب، والتي تسببت فيها الأنظمة الماضية، ولكن لم يكن يعلم أن هذه الحقيقة لا تُريح فقط صاحبها، بل تُرهقه أحيانًا.. ولكن على يقين تام أن عدم الراحة والإرهاق أمران مؤقتان.

نعود للمؤثرات الخارجية المواكبة لما بعد 30 يونيو، هل كانت ذاتها الموجودة في عصر يوسف عليه السلام المتمثلة في كهنة فرعون الذين حاولوا قتله؟ هل كانت ذاتها الموجودة في عهد محمد علي والمتمثلة في الدولة العثمانية وانجلترا فقط؟ هل كانت الموجودة في عصر جمال عبدالناصر والمتمثلة في نفوذ 3 دول فقط؟.. المؤثرات الخارجية يا عزيزي بعد 30 يونيو تعددت وتنوعت، بين نفوذ أمريكية، ومساعي بريطانية، وهيمنة روسية، وأطماع إيرانية متربصة.. ضف إلى ذلك الاتحادات المختلفة من أمم متحدة واتحاد أوروبي ومؤسسات المجتمع المدني مدفوعة الأجر في بعضها، بل وصل الحد إلى أطماع عربية متمثلة في دولة (قطر) تعداد سكانها لا يرقى إلى حي شعبي في مصر.

عزيزي القارئ، نحن في أمس الحاجة أن نرفع رؤوسنا وتستقيم أجسادنا ونحمل على أعتاقنا هموم هذا الوطن، القوات المُسلحة لم تقم بثورة يونيو، نحن كشعب من قمنا بالثورة، ولكننا احتمينا بها، لماذا الآن نُريد أن نُلقي على عاتق الرئيس السيسي هذا الحمل فقط؟

من أجل الأجيال القادمة «بلاش نكدب على نفسنا»، يجب المواجهة والمثابرة والتحدي وقبول رهانات أن كل فرد يحمل الجنسية المصرية يريد أن يرى مصر في أفضل حال.. ولن يحدث هذا إلا باعترافنا بالحالة التي تمر بها مصر.. وأن نقف وراء من صارحنا (الرئيس) لا ننجر وراء من أول من تملك وجّه أفواه أسلحته في وجوهنا (الإخوان).

حفظ الله مصر