رئيس التحرير: محمد السعدني

السُلطة

خميرة عكننة؟!

منذ 1 شهر

نحن أمام جريمة بتفاصيل منفردة المضمون ومتنوعة الشكل في الحياة المهنية والشخصية.. ربما تكون عنف وعدوانية أو تحرش أو معايرة أو إشاعات أو إقصاء أو تطاول أو نصب مكائد عن عمد وقصد بطريقة متكررة سرًا أو علانية، والنتيجة: إيذاء نفسي ومعنوي.. أنه "التنمر" فالوقائع التى حدثت مؤخراً فى بعض المدارس ومؤسسات عمل كانت خير مثال لأخلاق مفقودة وجريمة تبحث عن حل.

للأسف تراجع دور الأسرة وبيوت العلم والعبادة فى التوعية من ظواهر سلبية ومؤلمة تشكل خطورة على المجتمع وفشلت حملات المواجهة.. فالبيانات تشير إلى أن 70% من الأطفال فى مصر يتعرضون للتنمر من زملائهم.

وجاءت نتائج حملة «أنا ضد التنمر» التى انطلقت منذ بضعة أشهر لحماية الطفل، لتؤكد تلقي الخط الساخن الخاص بالشكوى من التنمر 30 ألف مكالمة خلال شهر واحد، بمعدل نحو ألف مكالمة يومياً، كما أبلغت 20 ألف أسرة عن تعرض أولادهم للتنمر عبر مواقع التواصل الإجتماعي.

وأكدت دراسة أجراها كل من المجلس القومى للطفولة والأمومة واليونيسيف عام 2015، شملت ثلاث محافظات، أن أعلى مستوى من العنف يواجه الأطفال يحدث فى المنزل، تليه المدرسة، كما أكدت الدراسة أن من 29% إلى 47% من الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عاماً عرضة للتنمر.

وعالميًا كشفت إحصائيات حديثة لليونسكو أجريت على 19 دولة أن ربع مليار طفل يتعرضون للتنمر في المدارس من إجمالي مليار طفل يدرسون حول العالم، وأن 34 % من الطلاب تعرضوا للمعاملة القاسية و8 % منهم يتعرضون للبلطجة يوميًا.

وفي نفس النطاق الدولي كشفت دراسات حديثة أن نسبة انتشار ظاهرة التنمر الوظيفي تتراوح بين 15 - 19 %، وكان نصيب الذكور المتنمرين 70 %، و61 % منهم يشغلون مناصب إدارية، بينما تشكل نسبة الموظفات الضحايا 60 % وأن التنمر الوظيفي يكلف ما قيمته 14000 دولار لكل موظف نتيجة لتدهور مستوى الأداء الوظيفي، ويهدر 18 مليون يوم عمل تقريباً على مستوى العالم سنويًا.

الأرقام والدراسات والأبحاث الدولية السابقة تؤكد أن جريمة التنمر مترسخة، وأن نطاقها واسع.. وأن المدرسة ليست فقط هي محل إقامة المتنمرون.. بل أماكن العمل والبيت أيضًا عنوان لها من حيث السيطرة والهيمنة والتسلط والقسوة والتعنيف.. لذا كلنا متنمرون ولا استثني أحد.. كلنا نمارس ثقافة وقحة حينما نفكر بمنطق الرابح والخاسر.. باختصار واقتصار: كلنا خميرة عكننة.

نحن أمام كارثة.. فالتنمر الوظيفي يؤذي سمعة المؤسسة ويسبب تدهور العلاقات الإجتماعية داخلها، كما يؤدي لتدني سلاسة التواصل بين الموظفين وكذلك تدني مستوى الخدمة والإنتاجية التي من الواجب تقديمها للمجتمع.

اسمحوا لي تقديم حزمة اقتراحات ربما تضمِّد جراح وتلطِّف أنَّات.. فالحلول من وجهة نظري تبدأ من المواجهة الشاملة وإستخدام بدائل للعقاب البدنى، وإتباع أساليب التربية الصحيحة التي تقوم على التسامح وقبول الآخر مع ضرورة مراقبة المتنمر وتقويم سلوكه ومعاملته بطريقة تربوية، ووضع ضوابط إدارية وقانونية ملزمة للجميع، فضلًا عن الإستفادة من خبرات وأراء أهل العلم.

ياسادة.. نحن جميعًا لا نبذل الجهد والعطاء المطلوب لنمو أبناءنا.. لا ندُلَّهم على الطريق الصحيح.. كلنا نجري وراء هموم ومشاغل حياتية لا تسمن ولا تغني من جوع.. كلنا خميرة عكننة دون خجل أو خوف.. والسؤال: متى نساند الوطن، ومؤسساتنا، وأنفسنا ونعترف بالجريمة، ونمتنع عن ممارسة التنمر؟!.