رئيس التحرير: محمد السعدني

السُلطة

مستقبل ترامب بعد استقالة ماتيس

منذ 3 اسبوع

حينما ترشح دونالد ترامب للرئاسة الأمريكية أواخر عام 2015، لم يكن مجرد رجل أعمال قرر الترشح منفرداً كما روج الإعلام النيوليبرالي مراراً، ولكن كان يقف خلفه أجندة كاملة لليمين القومي الأمريكي، وهو يمين مختلف عن اليمين المحافظ أو المحافظين الجدد، إضافة إلى لوبي من الصناعة الوطنية التي تضررت من سياسات العولمة وتأثيرها على مصالح الصناعة الأمريكية داخل الأسواق الأمريكية، إضافة إلى تكتل من جنرالات سابقون في الجيش الأمريكي لديهم شعبية داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، وجناح من المحافظين الجدد، إضافة إلى – ويا للغرابة – جناح من التيار النيوليبرالي على اتصال قوي مع شبكة ترامب الاقتصادية ولكن هذا الجناح النيوليبرالي ضئيل النفوذ وضعيف الصوت وسط التيارات النيوليبرالية التي تحكم العالم.
وكان هنالك تكتل عربي على اتصال مع ترامب، يضم الإمارات ومصر، بينما كانت السعودية تدعم جون بوش، أما اللوبي الصهيوني، فقد وقف مرتبكاً حيال صعود ترامب، صحيح أن اللوبي الصهيوني على علاقة جيدة معه، ولكن لم يكن هو المراد صعوده لا للرئاسة الأمريكية فحسب بل وحتى منصة تتويج مرشح الحزب الجمهوري في صيف 2016.
ومع انتصاف ولاية ترامب في يناير 2019، تبدو أن كل حلفاء ترامب قد انفضوا من حوله بقرار منه، لم يكن باقياً إلا جوقة الجنرالات القدامى في إدارته، إلا أنه بالخلاف مع جيمس ماتيس وزير دفاعه ثم استقالة الأخير، خرج آخر جنرال عتيد من إدارة ترامب.
خسر ترامب اليمين القومي يوم أخرج ستيف بانون من إدارته، وخسر مايكل فلين باستقالته دون أن يدافع عنه، واليوم يخسر ترامب آخر رجالاته الأوفياء، لم يعد هنالك ممثلين للتيارات التي تدعم ترامب في حكومته، إنه يحكم منفرداً في واشنطن في مشهد غير مألوف في تاريخ السياسة الأمريكية حيث عادة ما تتألف الحكومة الأمريكية من ممثلين وأجنحة لجماعات المصالح المستفيدة من تلك الإدارة.
وبكل أسف لم يحظ نشر استقالة وزير الدفاع ماتيس بالتقدير الملائم في استوديوهات التحليل السياسي، خاصة أن من نشر نص الاستقالة في بادئ الأمر لم يكن سوى المجلة الخاصة بالجيش الأمريكي على موقعها الإلكتروني، في إشارة لا يمكن قراءتها إلا أن المؤسسة العسكرية الأمريكية تبدى علنا وبشكل صريح تململ واضح من الرئيس الأمريكي وهو أمر لم يحدث في تاريخ أمريكا.
يعتمد ترامب على شعبيته فحسب وسط القوميين الأمريكان، ودعم لوبي الصناعة الأمريكية أو الرأسمالية الوطنية، غير ذلك لقد قام بفض الجميع من حوله، وذلك لأنه ينفذ أجندة اليمين القومي الأمريكي، ولكن حتى هذا اليمين لم يعد مسموح له بأن يكون له ممثلين في وزارة ترامب.
يدير ترامب، البيت الأبيض كما يدير مؤسسة ترامب الاقتصادية، هو الرجل الكبير والواضع الأول والأخير للسياسات، ومن يخالف ذلك يخرج من المؤسسة فوراً.
هذا هو أسلوبه، لا يمكن إدانته ولكن في نفس الوقت هل يصلح هذا الأسلوب في السياسة؟ وإلى متي؟
في تقديري أن خروج آخر جنرالات لوبي الجيش في إدارة ترامب سوف يعجل ببدء الاتصالات بين الحزبين الكبيرين لتوفير خروج قانوني لترامب من السلطة دون أن يكمل ولايته، إذ أن قسم لا يستهان به من دوائر الحزب الجمهوري غير راضية عن ترامب الآن.
وينص الدستور الأمريكي على أنه حال عزل الرئيس، يتولى نائبه منصب الرئاسة لاستكمال الولاية، بمعني أنه حال عزل ترامب فإن مايك بينس يسمى رئيساً لأمريكا حتى انتخابات الرئاسة نوفمبر 2020، والتي يحق لبينس أن يخوضها عن الحزب الجمهوري.
وحال تسمية بينس رئيساً، فأن يجب أن يسمى نائبا له على أن يصوت الكونجرس على هذا المرشح.
إذن، الرئيس الأمريكي أمامه ثلاث سيناريوهات، الأول أن يثبت للجميع أنه سوبرمان حقيقي، يكمل ولايته بل وينتصر في الانتخابات معتمداً على شعبية منجزه الاقتصادي وقاعدة شعبية من القوميين الأمريكان، ويقترب هذا السيناريو مما فعله الرئيس بيل كلنتون حينما تعرض لمؤامرة مونيكا جيت من أجل فرملته، ولكن كلنتون أكمل وفاز بالانتخابات، وإن كان الرئيس كلنتون لم يخسر يوماً أجنحة إدارته كما فعل أيا من رؤساء أمريكا بعده خاصة ترامب.
والسيناريو الثاني هو سيناريو الرئيس ريتشارد نيكسون، أن يصوت الكونجرس على عزله وتعيين نائبه رئيساً مع تسمية نائب جديد.
أما السيناريو الثالث هو سيناريو الرئيس جون كيندي حينما سعى لإبرام اتفاقية سلام مع الاتحاد السوفيتي في زمن الحرب الباردة فكان مصيره الاغتيال في مؤامرة داخلية أمريكية خالصة، يبدو ترامب قريباً من روسيا أكثر مما تحتمل بعض الدوائر في الدولة العميقة الأمريكية، ولو تأكدت هذه الدوائر أن ترامب قادر على الظفر بولاية ثانية وتأكدوا من عدم قدرتهم على عرقلته عبر الكونجرس فإن ثمن الرصاصات التي أنهت حيات أول وآخر رئيس كاثوليكي في تاريخ أمريكا لن يكون أفدح ثمناً من الرصاصات التي سوف تنهي حياة أول رئيس ينتمي إلى اليمين القومي في تاريخ الأمريكان.