رئيس التحرير: محمد السعدني

السُلطة
نوستالجيا

حين رفعت ثومة علم الإمارات فقال لها الشيخ زايد: «حاسس إني بودع مناضل»

منذ 3 اسبوع

لم يختلف أحد على العلاقات الوطيدة بين مصر والإمارات، فعندما أراد الشيخ زايد أن يُعرّف العالم بدولة الإمارات العربية المتحدة استعان بأم كلثوم، كما استعان من قبل بالمهندس المصري عبد الرحمن مخلوف في إنشاء مدينة أبو ظبي ثم دبي، حيث سبق كل ذلك إعمار العمالة المصرية لدولة الإمارات الشقيقة.

عندما أكتمل البناء وأصبحت هناك دولة الإمارات العربية المتحدة أراد الشيخ زايد أن يقول للعالم كله أن مصر والإمارات تربطهما علاقة قوية، لذا قرر الاستعانة بأم كلثوم دون أن يأخذ آراء الأمراء أو الملوك أو حتى رجال السياسة أو الإعلام أو الأعمال.

كان قدوم أم كلثوم إلى أبوظبي حدثًا موسيقيًا وغنائيًا استثنائيًا، إلا أنه في الزيارة الأخيرة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى مصر، والتي كان يرأسها آنذاك الرئيس محمد أنور السادات في أبريل 1971، أوفد مانع سعيد العتيبة وزير البترول والصناعة، وعبدالمنعم الملواني المستشار الصحفي لولي العهد الشيخ خليفة إلى سيدة الغناء العربي أم كلثوم لزياراتها في منزلها والتباحث معها لإحياء حفل غنائي في أبوظبي، بمناسبة الأعياد الوطنية، التي شملت عيد الجلوس الخامس للشيخ زايد وبشائر ولادة دولة الإمارات العربية المتحدة وبالفعل رحبت السيدة أم كلثوم بهذه الزيارة وقالت إنها لو لم تكن في ظروف صحية حرجة لذهبت بنفسها لاستقبال الشيخ زايد عند وصوله لأرض مصر.

ولا يستطيع أحد أن ينسى استعانة الشيخ زايد بالرئيس السادات لموافقة أم كلثوم لإحياء الحفل، وبعد عودة الشيخ زايد إلى أبوظبي إثر زيارته الرسمية لمصر، أرسل رسالة الدعوة الخاصة إلى السيدة أم كلثوم، وقد حملها الملواني، وكان نص الدعوة يشمل تقديرًا كبيرًا لفنانة عربية راقية ساهمت في النهضة العربية الفنية والحضارية، وفنانة وطنية غنت لآمال وآلام بلادها وأمتها، وكان ذلك واضحًا في جهودها لإحياء حفلات غناء في مختلف دول العالم، بحيث تعود أرباحها لدعم المجهود المصري الحربي، بعد العدوان الإسرائيلي في الخامس من يونيو عام 1967 وجاء نص الدعوة كالآتي:

رسالة الشيخ زايد إلى السيدة أم كلثوم

"حضرة السيدة الفاضلة كوكب الشرق أم كلثوم المحترمة، بعد التحية.. إنه لمن دواعي سرورنا دعوة سيدة الغناء العربي الأولى لزيارة أبوظبي للإطلاع عن معالمها عن كثب ومشاهدة ما حققته من إنجازات في فترة وجيزة، كما إنه سيكون مبعث فرح وسرور لنا أن نمتع الأذن بسماع الصوت الشجي والنغم الجميل، آملين أن يتاح لكم الوقت بالقيام بهذه الزيارة، وذلك بمناسبة العيد الوطني لبلادنا، متمنين لكم موفور الصحة، سائلين الله أن يوفقكم ويرعاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. زايد بن سلطان حاكم أبوظبي".

السيدة أم كلثوم أعلنت قبولها الدعوة الكريمة وأنها ستبدأ موسمها الغنائي الشتوي لهذا العام في أبو ظبي، تحية منها للشيخ زايد، إلا أن المسارح الموجودة في مدينة أبوظبي آنذاك كانت مسارح دور سينما وأكبر قاعة سينما كانت لا تتسع لأكثر من عدة مئات من المشاهدين وعشاق أم كلثوم بالآلاف، لذلك صدرت الأوامر لكي تقوم وزارة الدفاع بالتنسيق مع باقي الوزارات والدوائر لبناء مسرح مؤقت على أرض النادي الأهلي، الذي أصبح فيما بعد نادي الوحدة، وفي فترة قياسية لا تتعدى الثلاثة أسابيع أقيم المسرح الذي أعد لتكون طاقته الاستيعابية أربعة آلاف كرسي إلى أن ازداد عدد الوفود فزادات عدد المقاعد أيضًا حتى وصلت ستة آلاف وخمسمائة مقعد وبالرغم من ذلك كان عدد الجماهير كثير، حيث استقبلوها بالورود والزهور استقبال أم كلثوم.

عندما حطت طائرة أم كلثوم في مطار أبوظبي في 26 نوفمبر 1971 كان في استقبال سيدة الغناء العربي العديد من الشخصيات الإماراتية المهمة على رأسهم الشيخ زايد بنفسه وكبار رجال دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد فُتحت قاعة الشرف بمطار أبوظبي لأم كلثوم تكريمًا لها ولدورها الفني الريادي.

ومن المطار انتقلت والوفد المرافق لها إلى مقر إقامتها في فندق العين بلاس وكان الجمهور يستقبل أم كلثوم بالورود، وبعد وصولها وجهت أم كلثوم رسالة شكر في جريدة الاتحاد ساردة فيها عواطفها وانفعالاتها بالحفاوة التي استقبلت بها في مطار أبوظبي، حيث قالت:

"أوجه هذه التحية إلى عظمة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي وشعبه الكريم وأشكركم على الحفاوة التي قوبلت بها منذ اللحظة الأولى التي وصلت فيها إلى هذه الأرض العربية الغالية.. ويزيد من سعادتي أنني قد جئت إلى أبوظبي في مناسبة عيد جلوس صاحب العظمة الشيخ زايد والاستعداد للإعلان عن قيام دولة الامارات العربية المتحدة الذي سوف تضيف إلى الأمة رصيدًا جديدًا من القوة والدعم.. ونسأل الله القدير أن يحقق لنا العزة والنصر".

 

احتشد الآلاف في مسرح وزارة الدفاع وكانت آلاف أخرى تحتشد مكتفية بالوقوف قرب المكان، واضطر رجال الأمن إلى إغلاق الأبواب في الساعة التاسعة والنصف، وقد امتلأ المسرح وفي مقدمته الشيخ زايد وولي عهده الشيخ خليفة وشيوخ آل نهيان والشيخ سلطان بن محمد القاسمي والشيخ حمد بن راشد النعيمي والعديد من شيوخ الإمارات.

غنت أم كلثوم "أغدا ألقاك" للشاعر السوداني الهادي آدم وألحان الموسيقار محمد عبدالوهاب، وأغنية "الحب كله" كلمات أحمد شفيق كامل وألحان بليغ حمدي في اليوم الأول.

ثم أغنية"درات الأيام" كلمات مأمون الشناوي وألحان محمد عبد الوهاب وأغنية "القلب يعشق كل جميل" كلمات بيرم التونسى وألحان رياض السنباطي وكان عدد الحضور يتجاوز ستة آلاف، بخلاف الآلاف الآخرين الذين يستمعون لأم كلثوم خلف أسوار المسرح.

أمام كل هذه الوفود الرهيبة من جميع أنحاء العالم اضطرت أم كلثوم أن تحيي حفلتين أخرتين، حفلة منهم خاصة بالملوك والأمراء والروساء والوزراء وأسرهم الذين أتوا لها خصيصًا، وبعد ذلك استقبها الشيخ زايد في ديوانه بقصر المنهل وتبادل معها الأحاديث الودية، كما قام معها بجولة لترى فيها دولة الإمارات العربية من خلال طائرة خاصة. 

وكانت الحشود الهائلة مع أم كلثوم أينما كانت وقد قلد الشيخ زايد السيدة أم كلثوم بأول قلادة تمنحها دولة الإمارات العربية لأحد، وهي قلادة الشيخ زايد، كما أنه في أثناء زيارة أم كلثوم لأبوظبي أقيمت مأدبة عشاء كبرى أقامتها الشيخة فاطمة بنت مبارك تكريمًا لأم كلثوم.

وتميز ختام زيارة أم كلثوم لأبو ظبي بحدث مهم وتوديع حار، أما الحدث فهو أن سيدة الغناء بعد نهاية حفلتها فى الثلاثين من نوفمبر بقيت فى ضيافة القيادة فى أبو ظبي لتشهد اليوم التاريخي والحدث السعيد الذي تمثل فى إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1972 وقد شهدت سيدة الغناء العربي أم كلثوم مراسم رفع العلم الاتحادى، وقدمت بعد ذلك التهنئة إلى الشيخ خليفة، وقالت له

أما التوديع الحار فكان بعد ذلك فى مطار أبو ظبي، حيث قام بتوديع أم كلثوم الشيخ زايد، كما كان في استقبالها وزير الخارجية أحمد خليفة السويدي مع جمع من المسئولين والمواطنين والوافدين بالآلاف الذين تمنوا لسيدة الغناء رحلة سعيدة إلى أرض الكنانة حتى أن الشيخ زايد رحمه الله همس لأم كلثوم قائلا: "أنا حاسس أني بودع زعيم سياسي أو مناضل شعبي"، وكانت تلك الزيارة من آخر محطات أم كلثوم الفنية، إذ كانت آخر زيارة خارجية لها قبل مرضها الذي أقعدها عن العمل حتى وفاتها.

 

حين رفعت أم كلثوم علم الإمارات فقال لها الشيخ زايد: "حاسس أني بودع مناضل شعبي"

 

لم يختلف أحد على العلاقات الوطيدة بين مصر والإمارات، فعندما أراد الشيخ زايد أن يُعرّف العالم بدولة الإمارات العربية المتحدة استعان بأم كلثوم، كما استعان من قبل بالمهندس المصري عبد الرحمن مخلوف في إنشاء مدينة أبو ظبي ثم دبي، حيث سبق كل ذلك إعمار العمالة المصرية لدولة الإمارات الشقيقة.

عندما أكتمل البناء وأصبحت هناك دولة الإمارات العربية المتحدة أراد الشيخ زايد أن يقول للعالم كله أن مصر والإمارات تربطهما علاقة قوية، لذا قرر الاستعانة بأم كلثوم دون أن يأخذ آراء الأمراء أو الملوك أو حتى رجال السياسة أو الإعلام أو الأعمال.

كان قدوم أم كلثوم إلى أبوظبي حدثًا موسيقيًا وغنائيًا استثنائيًا، إلا أنه في الزيارة الأخيرة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى مصر، والتي كان يرأسها آنذاك الرئيس محمد أنور السادات في أبريل 1971، أوفد مانع سعيد العتيبة وزير البترول والصناعة، وعبدالمنعم الملواني المستشار الصحفي لولي العهد الشيخ خليفة إلى سيدة الغناء العربي أم كلثوم لزياراتها في منزلها والتباحث معها لإحياء حفل غنائي في أبوظبي، بمناسبة الأعياد الوطنية، التي شملت عيد الجلوس الخامس للشيخ زايد وبشائر ولادة دولة الإمارات العربية المتحدة وبالفعل رحبت السيدة أم كلثوم بهذه الزيارة وقالت إنها لو لم تكن في ظروف صحية حرجة لذهبت بنفسها لاستقبال الشيخ زايد عند وصوله لأرض مصر.

ولا يستطيع أحد أن ينسى استعانة الشيخ زايد بالرئيس السادات لموافقة أم كلثوم لإحياء الحفل، وبعد عودة الشيخ زايد إلى أبوظبي إثر زيارته الرسمية لمصر، أرسل رسالة الدعوة الخاصة إلى السيدة أم كلثوم، وقد حملها الملواني، وكان نص الدعوة يشمل تقديرًا كبيرًا لفنانة عربية راقية ساهمت في النهضة العربية الفنية والحضارية، وفنانة وطنية غنت لآمال وآلام بلادها وأمتها، وكان ذلك واضحًا في جهودها لإحياء حفلات غناء في مختلف دول العالم، بحيث تعود أرباحها لدعم المجهود المصري الحربي، بعد العدوان الإسرائيلي في الخامس من يونيو عام 1967 وجاء نص الدعوة كالآتي:

رسالة الشيخ زايد إلى السيدة أم كلثوم

"حضرة السيدة الفاضلة كوكب الشرق أم كلثوم المحترمة، بعد التحية.. إنه لمن دواعي سرورنا دعوة سيدة الغناء العربي الأولى لزيارة أبوظبي للإطلاع عن معالمها عن كثب ومشاهدة ما حققته من إنجازات في فترة وجيزة، كما إنه سيكون مبعث فرح وسرور لنا أن نمتع الأذن بسماع الصوت الشجي والنغم الجميل، آملين أن يتاح لكم الوقت بالقيام بهذه الزيارة، وذلك بمناسبة العيد الوطني لبلادنا، متمنين لكم موفور الصحة، سائلين الله أن يوفقكم ويرعاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. زايد بن سلطان حاكم أبوظبي".

السيدة أم كلثوم أعلنت قبولها الدعوة الكريمة وأنها ستبدأ موسمها الغنائي الشتوي لهذا العام في أبو ظبي، تحية منها للشيخ زايد، إلا أن المسارح الموجودة في مدينة أبوظبي آنذاك كانت مسارح دور سينما وأكبر قاعة سينما كانت لا تتسع لأكثر من عدة مئات من المشاهدين وعشاق أم كلثوم بالآلاف، لذلك صدرت الأوامر لكي تقوم وزارة الدفاع بالتنسيق مع باقي الوزارات والدوائر لبناء مسرح مؤقت على أرض النادي الأهلي، الذي أصبح فيما بعد نادي الوحدة، وفي فترة قياسية لا تتعدى الثلاثة أسابيع أقيم المسرح الذي أعد لتكون طاقته الاستيعابية أربعة آلاف كرسي إلى أن ازداد عدد الوفود فزادات عدد المقاعد أيضًا حتى وصلت ستة آلاف وخمسمائة مقعد وبالرغم من ذلك كان عدد الجماهير كثير، حيث استقبلوها بالورود والزهور استقبال أم كلثوم.

عندما حطت طائرة أم كلثوم في مطار أبوظبي في 26 نوفمبر 1971 كان في استقبال سيدة الغناء العربي العديد من الشخصيات الإماراتية المهمة على رأسهم الشيخ زايد بنفسه وكبار رجال دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد فُتحت قاعة الشرف بمطار أبوظبي لأم كلثوم تكريمًا لها ولدورها الفني الريادي.

ومن المطار انتقلت والوفد المرافق لها إلى مقر إقامتها في فندق العين بلاس وكان الجمهور يستقبل أم كلثوم بالورود، وبعد وصولها وجهت أم كلثوم رسالة شكر في جريدة الاتحاد ساردة فيها عواطفها وانفعالاتها بالحفاوة التي استقبلت بها في مطار أبوظبي، حيث قالت:

"أوجه هذه التحية إلى عظمة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي وشعبه الكريم وأشكركم على الحفاوة التي قوبلت بها منذ اللحظة الأولى التي وصلت فيها إلى هذه الأرض العربية الغالية.. ويزيد من سعادتي أنني قد جئت إلى أبوظبي في مناسبة عيد جلوس صاحب العظمة الشيخ زايد والاستعداد للإعلان عن قيام دولة الامارات العربية المتحدة الذي سوف تضيف إلى الأمة رصيدًا جديدًا من القوة والدعم.. ونسأل الله القدير أن يحقق لنا العزة والنصر".

 

احتشد الآلاف في مسرح وزارة الدفاع وكانت آلاف أخرى تحتشد مكتفية بالوقوف قرب المكان، واضطر رجال الأمن إلى إغلاق الأبواب في الساعة التاسعة والنصف، وقد امتلأ المسرح وفي مقدمته الشيخ زايد وولي عهده الشيخ خليفة وشيوخ آل نهيان والشيخ سلطان بن محمد القاسمي والشيخ حمد بن راشد النعيمي والعديد من شيوخ الإمارات.

 

حين رفعت أم كلثوم علم الإمارات فقال لها الشيخ زايد: "حاسس أني بودع مناضل شعبي"

لم يختلف أحد على العلاقات الوطيدة بين مصر والإمارات، فعندما أراد الشيخ زايد أن يُعرّف العالم بدولة الإمارات العربية المتحدة استعان بأم كلثوم، كما استعان من قبل بالمهندس المصري عبد الرحمن مخلوف في إنشاء مدينة أبو ظبي ثم دبي، حيث سبق كل ذلك إعمار العمالة المصرية لدولة الإمارات الشقيقة.

عندما أكتمل البناء وأصبحت هناك دولة الإمارات العربية المتحدة أراد الشيخ زايد أن يقول للعالم كله أن مصر والإمارات تربطهما علاقة قوية، لذا قرر الاستعانة بأم كلثوم دون أن يأخذ آراء الأمراء أو الملوك أو حتى رجال السياسة أو الإعلام أو الأعمال.

كان قدوم أم كلثوم إلى أبوظبي حدثًا موسيقيًا وغنائيًا استثنائيًا، إلا أنه في الزيارة الأخيرة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى مصر، والتي كان يرأسها آنذاك الرئيس محمد أنور السادات في أبريل 1971، أوفد مانع سعيد العتيبة وزير البترول والصناعة، وعبدالمنعم الملواني المستشار الصحفي لولي العهد الشيخ خليفة إلى سيدة الغناء العربي أم كلثوم لزياراتها في منزلها والتباحث معها لإحياء حفل غنائي في أبوظبي، بمناسبة الأعياد الوطنية، التي شملت عيد الجلوس الخامس للشيخ زايد وبشائر ولادة دولة الإمارات العربية المتحدة وبالفعل رحبت السيدة أم كلثوم بهذه الزيارة وقالت إنها لو لم تكن في ظروف صحية حرجة لذهبت بنفسها لاستقبال الشيخ زايد عند وصوله لأرض مصر.

ولا يستطيع أحد أن ينسى استعانة الشيخ زايد بالرئيس السادات لموافقة أم كلثوم لإحياء الحفل، وبعد عودة الشيخ زايد إلى أبوظبي إثر زيارته الرسمية لمصر، أرسل رسالة الدعوة الخاصة إلى السيدة أم كلثوم، وقد حملها الملواني، وكان نص الدعوة يشمل تقديرًا كبيرًا لفنانة عربية راقية ساهمت في النهضة العربية الفنية والحضارية، وفنانة وطنية غنت لآمال وآلام بلادها وأمتها، وكان ذلك واضحًا في جهودها لإحياء حفلات غناء في مختلف دول العالم، بحيث تعود أرباحها لدعم المجهود المصري الحربي، بعد العدوان الإسرائيلي في الخامس من يونيو عام 1967 وجاء نص الدعوة كالآتي:

رسالة الشيخ زايد إلى السيدة أم كلثوم

"حضرة السيدة الفاضلة كوكب الشرق أم كلثوم المحترمة، بعد التحية.. إنه لمن دواعي سرورنا دعوة سيدة الغناء العربي الأولى لزيارة أبوظبي للإطلاع عن معالمها عن كثب ومشاهدة ما حققته من إنجازات في فترة وجيزة، كما إنه سيكون مبعث فرح وسرور لنا أن نمتع الأذن بسماع الصوت الشجي والنغم الجميل، آملين أن يتاح لكم الوقت بالقيام بهذه الزيارة، وذلك بمناسبة العيد الوطني لبلادنا، متمنين لكم موفور الصحة، سائلين الله أن يوفقكم ويرعاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. زايد بن سلطان حاكم أبوظبي".

السيدة أم كلثوم أعلنت قبولها الدعوة الكريمة وأنها ستبدأ موسمها الغنائي الشتوي لهذا العام في أبو ظبي، تحية منها للشيخ زايد، إلا أن المسارح الموجودة في مدينة أبوظبي آنذاك كانت مسارح دور سينما وأكبر قاعة سينما كانت لا تتسع لأكثر من عدة مئات من المشاهدين وعشاق أم كلثوم بالآلاف، لذلك صدرت الأوامر لكي تقوم وزارة الدفاع بالتنسيق مع باقي الوزارات والدوائر لبناء مسرح مؤقت على أرض النادي الأهلي، الذي أصبح فيما بعد نادي الوحدة، وفي فترة قياسية لا تتعدى الثلاثة أسابيع أقيم المسرح الذي أعد لتكون طاقته الاستيعابية أربعة آلاف كرسي إلى أن ازداد عدد الوفود فزادات عدد المقاعد أيضًا حتى وصلت ستة آلاف وخمسمائة مقعد وبالرغم من ذلك كان عدد الجماهير كثير، حيث استقبلوها بالورود والزهور استقبال أم كلثوم.

عندما حطت طائرة أم كلثوم في مطار أبوظبي في 26 نوفمبر 1971 كان في استقبال سيدة الغناء العربي العديد من الشخصيات الإماراتية المهمة على رأسهم الشيخ زايد بنفسه وكبار رجال دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد فُتحت قاعة الشرف بمطار أبوظبي لأم كلثوم تكريمًا لها ولدورها الفني الريادي.

ومن المطار انتقلت والوفد المرافق لها إلى مقر إقامتها في فندق العين بلاس وكان الجمهور يستقبل أم كلثوم بالورود، وبعد وصولها وجهت أم كلثوم رسالة شكر في جريدة الاتحاد ساردة فيها عواطفها وانفعالاتها بالحفاوة التي استقبلت بها في مطار أبوظبي، حيث قالت:

"أوجه هذه التحية إلى عظمة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي وشعبه الكريم وأشكركم على الحفاوة التي قوبلت بها منذ اللحظة الأولى التي وصلت فيها إلى هذه الأرض العربية الغالية.. ويزيد من سعادتي أنني قد جئت إلى أبوظبي في مناسبة عيد جلوس صاحب العظمة الشيخ زايد والاستعداد للإعلان عن قيام دولة الامارات العربية المتحدة الذي سوف تضيف إلى الأمة رصيدًا جديدًا من القوة والدعم.. ونسأل الله القدير أن يحقق لنا العزة والنصر".

 

احتشد الآلاف في مسرح وزارة الدفاع وكانت آلاف أخرى تحتشد مكتفية بالوقوف قرب المكان، واضطر رجال الأمن إلى إغلاق الأبواب في الساعة التاسعة والنصف، وقد امتلأ المسرح وفي مقدمته الشيخ زايد وولي عهده الشيخ خليفة وشيوخ آل نهيان والشيخ سلطان بن محمد القاسمي والشيخ حمد بن راشد النعيمي والعديد من شيوخ الإمارات.

غنت أم كلثوم "أغدا ألقاك" للشاعر السوداني الهادي آدم وألحان الموسيقار محمد عبدالوهاب، وأغنية "الحب كله" كلمات أحمد شفيق كامل وألحان بليغ حمدي في اليوم الأول.

ثم أغنية"درات الأيام" كلمات مأمون الشناوي وألحان محمد عبد الوهاب وأغنية "القلب يعشق كل جميل" كلمات بيرم التونسى وألحان رياض السنباطي وكان عدد الحضور يتجاوز ستة آلاف، بخلاف الآلاف الآخرين الذين يستمعون لأم كلثوم خلف أسوار المسرح.

أمام كل هذه الوفود الرهيبة من جميع أنحاء العالم اضطرت أم كلثوم أن تحيي حفلتين أخرتين، حفلة منهم خاصة بالملوك والأمراء والروساء والوزراء وأسرهم الذين أتوا لها خصيصًا، وبعد ذلك استقبها الشيخ زايد في ديوانه بقصر المنهل وتبادل معها الأحاديث الودية، كما قام معها بجولة لترى فيها دولة الإمارات العربية من خلال طائرة خاصة. 

وكانت الحشود الهائلة مع أم كلثوم أينما كانت وقد قلد الشيخ زايد السيدة أم كلثوم بأول قلادة تمنحها دولة الإمارات العربية لأحد، وهي قلادة الشيخ زايد، كما أنه في أثناء زيارة أم كلثوم لأبوظبي أقيمت مأدبة عشاء كبرى أقامتها الشيخة فاطمة بنت مبارك تكريمًا لأم كلثوم.

وتميز ختام زيارة أم كلثوم لأبو ظبي بحدث مهم وتوديع حار، أما الحدث فهو أن سيدة الغناء بعد نهاية حفلتها فى الثلاثين من نوفمبر بقيت فى ضيافة القيادة فى أبو ظبي لتشهد اليوم التاريخي والحدث السعيد الذي تمثل فى إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1972 وقد شهدت سيدة الغناء العربي أم كلثوم مراسم رفع العلم الاتحادى، وقدمت بعد ذلك التهنئة إلى الشيخ خليفة، وقالت له

أما التوديع الحار فكان بعد ذلك فى مطار أبو ظبي، حيث قام بتوديع أم كلثوم الشيخ زايد، كما كان في استقبالها وزير الخارجية أحمد خليفة السويدي مع جمع من المسئولين والمواطنين والوافدين بالآلاف الذين تمنوا لسيدة الغناء رحلة سعيدة إلى أرض الكنانة حتى أن الشيخ زايد رحمه الله همس لأم كلثوم قائلا: "أنا حاسس أني بودع زعيم سياسي أو مناضل شعبي"، وكانت تلك الزيارة من آخر محطات أم كلثوم الفنية، إذ كانت آخر زيارة خارجية لها قبل مرضها الذي أقعدها عن العمل حتى وفاتها.