رئيس التحرير: محمد السعدني

السُلطة
نوستالجيا

«زكي بشكها».. مأساة «روستي» أظرف شرير في تاريخ السينما المصرية

منذ 6 يوم

البارون النمساوى الايطالي، الذي أجبرنا على حسابه ضمن قائمة أهل الثقافة والصنعة والمحبة الاجتماعية والإنسانية المصرية، أوأولاد البلد، كما نطلق عليهم، وأحد أوائل مخرجي وصناع السينما المصرية.

البارون إستيفانو دي لا روستي، من مواليد إيطاليا في 16 نوفمبرعام 1891، وتم كتابة اسمه في شهادة الميلاد على نفس اسم والده «استيفني دي رستو».

كان والده بارون نمساوي، من أكبر العائلات الأرستقراطية، وكان يسكن قصرا في فيينا، وتعرف على والدته الإيطالية في روما، وتزوجها وحضرا معا للعيش في مصر أثناء عمله سفيرا للنمسا في القاهرة، وأعجب بالإقامة فيها واشترى منزلاً في شبرا.

قضى «روستي» طفولته في مصر مع والدته التي قررت الهرب بطفلها إلى الإسكندرية خشية من محاولة والده خطفه، وعاشا في منطقة رأس التين، حيث التحق «روستي» بمدرسة رأس التين الابتدائية، واكتسب جنسيته المصرية بحكم مولده.

ظهرت الموهبة الفنية لدى «روستي»، وهو لا يزال تلميذًا بالمدرسة الثانوية، حيث كان عاشقا للتمثيل، وعلى الرغم من تحذير المدرسين له من الاستمرار في عمله ممثلاً، فرفض البعد عن التمثيل حتى انتهى الأمر إلى فصله من المدرسة.

في ذلك الوقت، التحق «روستي» بفرقة «سليم عطا الله» المسرحية، وشارك في أدوار صغيرة في عدة مسرحيات، حتى حصل على دور كبير في مسرحية «شارلمان» عام 1912.

استلم «روستي» عمله كبوسطجي، في مصلحة البريد في ذلك الوقت، لكن بعد نحو 8 أيام، جاء إلى المصلحة تقرير من المدرسة الثانوية يفيد أنه يعمل ممثلاً، ونظرا لاعتبار التمثيل في ذلك الوقت من الأمور المعيبة بين الناس، فما كان من مصلحة البريد إلا أن طردته.

أمام صعوبات الحياة، تزوجت والدته من نجار إيطالي كان يعمل في محلات «بونتر يمولي» للأثاث، وذاق «روستي» على يدي زوج أمه الكثير من الآلام والمتاعب لأنه كان يتفنن في إيذائه، فهجر بيت أمه، وخرج هائما على وجهه بحثا عن عمل.

أثناء سيره في أحد الشوارع، التي كان يهيم فيها بحثا عن عمل، رأى «روستي» إعلانا عن حفلات ستقيمها فرقة «عزيز عيد» المسرحية، وتطلب الاستعانة فيها بممثلين جدد، فبدأ يسأل عن «عيد» لعله يجد لديه عملا، ودخل المسرح وظل يحاول حتى تمكن من مقابلته.

 وأعجب «عيد» بشجاعته وإتقانه اللغة الفرنسية والإيطالية بطلاقة، فقرر أن يضمه إلى فرقته ويتعهد برعايته، وبالفعل أسند إليه دور «أمير روسي» في مسرحية «خلي بالك من إميلي»، عام 1917، تأليف جورج فيدون وترجمة أمين صدقي، ولفت «روستي» كل الأنظار إليه.

ومنذ هذا الوقت، بدأت رحلة «روستي» مع المسرح وحظي برعاية كبيرة من عزيز عيد جعلته يحتل مكانة متميزة بسرعة، لكن آماله وطموحاته لم تكن تتوقف عند حد، فحاول الإنضمام إلى فرقة «نجيب الريحاني»، لكنه لم يجد بها الفرصة المناسبة.

ظل «روستي» دائما يشعر بالحنين إلى والده، لكنه لم يكن يملك المال الذي يساعده على السفر إلى أوروبا للبحث عن والده، الذي لم يره في حياته، وكان ذلك هو الهم الأكبر الذي يؤرقه دائما، فقد كان يتمنى دائما أن يراه.

في أثناء زيارة إحدى فرق الباليه النمساوية لمصر في مسرح «تياترو عباس»، حاول «روستي» انتهاز الفرصة وذهب ليتعرف على أعضائها لعله يجد بينهم من يعرف شيئا عنوالده النمساوي، وللمصادفة، تعرف «روستي» على إحدى عضوات الفرقة التي كانت تربطها صلة قوية بوالده، فما أن أخبرها بقصته حتى أبدت له استعدادها لمساعدته في الوصول إليه، واصطحبته بالفعل إلى النمسا.

 وقررت هذه الراقصة أن تقدمه لوالده في النمسا، لكن كانت هناك مفاجأة في انتظاره، فبعد أن التقى والده، الذي رحب به بشدة بعد فراق لأكثر من 20 سنة، فوجئ به يثور ويغضب ويطرده بعد أن اكتشف قصة الغرام التي كانت بينه وبين تلك الراقصة، فقد كان الأب يحبها، ويغار عليها بجنون، وينفق عليها بسخاء، لكنها لم تكن تبادله الحب بسبب فارق السن بينهما، وهذا الموقف الذي تعرض له «روستي» جعله يظل رافضا للزواج حتى جاوز عمره 46 عاما.

بعد ذلك، قرر «روستي» السفر إلى إيطاليا بحثا عن عمل يمكنه من تغطية نفقاته هو ووالدته، واضطر لأن يعمل في أعمال بسيطة كصبي جزار، وصبي حانوتي، وبائع متجول حتى يدبر قوته، خاصة بعد أن ماتت صديقته الراقصة، في مستشفى الأمراض الصدرية، وظل يعمل في هذه المهن البسيطة بالنهار، وفي الليل يعمل راقصا بالملاهي الليلية حتى الصباح.

 

بعد فترة من وجوده في إيطاليا، تمكن «روستي» من إيجاد عمل في مجال الترجمة، خاصة أنه كان يجيد 4 لغات بطلاقة هم الفرنسية، والإنجليزية، والإيطالية، والعربية، واستطاع «روستي» من خلال عمله كمترجم أن يلتقي كبار النجوم، حيث كان يتردد على المسرح الإيطالي، ما أتاح له فرصة ممارسة السينما عمليا من خلال العمل ممثل ومساعد في الإخراج ومستشار فني لشئون وعادات وتقاليد الشرق العربي للشركات السينمائية الإيطالية التي تنتج أفلاما عن الشرق والمغرب العربي.

 

في نهاية عام 1922، التقى «روستي» مع يوسف وهبي عن طريق عزيز عيد في العاصمة الفرنسية، باريس، وأعجبا بطلاقته في اللغات الفرنسية والإيطالية والإنجليزية، وفكرا في إنشاء فرقة مسرحية وضمه إليها، وعادوا إلى مصر وأسسوا فرقة «رمسيس» وانضم لها «روستي» بعد عودته مصر عام 1924، ولم يكن «روستي» مجرد ممثل في الفرقة، بل قام بتعريب وترجمة العديد من الروايات التي حققت نجاحا كبيرا في ذلك الوقت، مثل «أسير الحب»، و«مستشفى المجاذيب»، و«العمة شارلي»، و«أستاذ اللطافة، والهديد» اللتين تولى إخراجهما عام 1926.

انضم «روستي» بعد ذلك إلى العديد من الفرق المسرحية، حيث عمل مع فرقة «نجيب الريحاني» التي قدم من خلالها دور «حاج بابا» في رواية «العشرة الطيبة» بكازينو «دي باري» الذي تحول فيما بعد إلى «أستوديو مصر»، ووصل راتبه إلى 30 جنيها في الشهر، وظل في الفرقة حتى رحيل «الريحاني» عام 1949، وحين كون إسماعيل ياسين فرقته المسرحية عام 1954، كان «روستي» من أوائل الفنانين الذين انضموا إليها، واستمر بالعمل فيها حتى رحيله، وكانت آخر مسرحياته «كل الرجالة كدة»، عام 1964، مع تحية كاريوكا، وإسماعيل ياسين، ومحمود المليجي

لم تتوقف موهبة «روستي» عند حد التمثيل فقط، بل امتدت مواهبه الفنية لتشمل الإخراج والتأليف، حيث أخرج أول أفلامه في مصر عام 1927، بعد أن انبهرت المنتجة عزيزة أمير بثقافة «روستي» السينمائية، وأسندت إليه مهمة إخراج الفيلم الصامت «ليلى» الذي بدأ إخراجه المخرج التركي وداد عرف، لكنه اختلف مع عزيزة أمير، فأسندت إخراجه إلى «روستي» الذي اشترك معها ومع أحمد جلال في الإخراج والقصة والتمثيل، ويعتبر أول فيلم يمثل فيه «روستتي»، ولم تكن في مصر استوديوهات في ذلك الوقت، بل مجرد آلات تصوير، فتم التقاط المشاهد داخل البيوت والشوارع، وفي الريف والصحراء، ومن دون ديكورات أو معدات إضاءة.

عرض فيلم «ليلى» بسينما «متروبول»، في 16 نوفمبر 1927، في حفل حضره طلعت بك حرب، وأمير الشعراء أحمد شوقي، وحشد كبير من الفنانين والصحفيين، ولاقى الفيلم نجاحا كبيرا، ليكون أول فيلم روائي مصري مائة بالمائة في إنتاجه وتأليفه وإخراجه وتمثيله، وبعد هذا الفيلم دارت عجلة السينما في مصر، ليقترن اسم «روستي» بمولد السينما في مصر.

لم يكن فيلم «ليلى» هو الوحيد الذي أخرجه «روستي»، حيث أخرج العديد من الأفلام مثل، «البحر بيضحك ليه» عام 1928، و«صاحب السعادة كشكش بيه» عام 1931، بطولة نجيب الريحاني، و«عنتر أفندي» عام 1935، و«الورشة» عام 1940، و«ابن البلد» عام 1942، و«أحلاهم» عام 1945، ويعتبر فيلم «جمال ودلال» عام 1945، آخر أعماله كمخرج لفريد الأطرش، ويرجع الفضل له في إقناع نجيب الريحاني للعمل في السينما حيث كان رافضا رفضا قاطعا ولولا استفان روستي ما وافق.

تمتع «روستي» فضلا عن التمثيل والإخراج بموهبة التأليف، حيث كتب القصة والسيناريو لأفلام كثيرة أهمها، «البحر بيضحك ليه»، عام 1928، بالاشتراك مع المؤلف أمين عطا الله، وفي عام 1931، اشترك مع بديع خيري، ونجيب الريحاني في كتابة القصة والسيناريو لفيلم «صاحب السعادة كشكش بيه»، وفي عام 1953، ألف فيلم «ابن ذوات» بطولة إسماعيل ياسين، ونجاح سلام، وكيتي، وفي عام 1958، شارك مع المخرج زكي صالح في تأليف فيلم «قاطع طريق» الذي مثله مع هدى سلطان، ورشدي أباظة، كما شارك في تأليف فيلم «لن أعترف»، عام 1961، بطولة فاتن حمامة، وأحمد مظهر، وأحمد رمزي.

من أشهر أفلامه: «المليونير، وسيدة القصر، وأبو حلموس، وسي عمر، وقطار الليل، ورقصة الوداع، وحبيبي الأسمر، وعنبر، وغزل البنات، وحرام عليك، وملك البترول، وقلبي دليلي، وليلة ممطرة».

بعد عزوف طويل عن الزواج، ورغم اقتران اسمه بمغامرات نسائية، تزوج «روستي» في عام ‏1936‏، من فتاة إيطالية يتيمة الأبوين تسمي «ماريانا» أو «ماري» التقى بها في احتفال كبير فى النادى الايطالى بمدينة بور توفيق بالسويس ، وأحبها بشدة وظل معها حتى رحيله.

رزق من زوجته بطفلين، توفي الأول بعد ولادته بأيام، والآخر بعد 3 أعوام، فتركت وفاة طفليه جرحا عميقا في نفسه‏,، خاصة أنه كان مُرهف الحس تجاه الأطفال، بينما أصيبت زوجته باضطرابات نفسية وحالات انهيار متكررة، وسرعان ما تدهورت حالتها، فتم نقلها إلى «مصحة حلــوان- بهمان ‏»، وظلت على هذه الحالة لعدة سنوات ينقلها من مصحة إلى أخرى دون أن يمل.

 

إستمرت مسيرته الفنية حتى عام 1964، حيث اشترك بالتمثيل في 3 أفلام هم «الحقيبة السوداء»، و«آخر شقاوة»، و«حكاية نصف الليل» أمام عماد حمدي، وزيزي البدراوي، وعرض بعد وفاة «روستي» بشهرين.

في عام 1964 انطلقت إشاعة وفاته، بينما كان يزور أحد أقاربه في الإسكندرية وأقامت نقابة الممثلين حفل تأبين بعد أن صدقت الإشاعة وفي منتصف الحفل جاء استيفان روستي إلى مقر النقابة ليسود الذعر الحاضرين، وانطلقت ماري منيب ونجوى سالم وسعاد حسين في إطلاق الزغاريد فرحاً بوجوده على قيد الحياة.ولكن بعد اسابيع قليلة في 26 مايو من نفس العام (1964).

لم تمر على هذه الواقعة سوى أسابيع قليلة، حتى رحل «روستي» فعليا إثر أزمة قلبية، في 26 مايو 1964، حين كان «روستي» جالسا في مقهى «سفنكس» بشارع سليمان باشا في وسط القاهرة، يلعب «الطاولة» مع أصدقائه عقب مشاهدة العرض الأول لفيلمه «آخر شقاوة»، وشعر بآلام مفاجئة في قلبه، على الفور نقله أصدقاؤه إلى «المستشفى اليوناني»، وعندما فحصه الأطباء وجدوا إنسدادا في شرايين القلب، ونصحوا أصدقاءه بنقله إلى منزله القريب من المقهى، ولم تمض سوى ساعة واحدة حتى توفي عن عمر ناهز 73 عاما.

عند وفاته، لم يكن في بيته سوى 7 جنيهات، وشيك مصرفي بمبلغ 150 جنيهًا يمثل الدفعة الأخيرة من فيلمه «حكاية نص الليل».

بعد أسبوع من رحيله، أصيبت زوجته بالجنون، فتحملت نقابة الممثلين نفقات سفرها لعائلتها بمدينة نابولي الإيطالية، خاصة أنه لم يعد يوجد من يرعاها بمصر بعد رحيل روستى حتى توفيت فى عام 1968 .